بقلم : د. سفيان ابو زايدة

القدس في ذكرى احتلالها


القدس في ذكرى احتلالها

د. سفيان ابو زايدة

البراق - بقلم د. سفيان أبو زايدة

 

 

 

بالامس كانت الذكرى الخامسة و الاربعين لاحتلال القدس الشرقية. طوال هذه السنوات مارست الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة سياسة ممنهجه لتهويد المدينة من خلال سلسلة من القرارت و الاجراءات و القوانين التي تهدف الى تغيير وجهها و تغيير معالمها و  كذلك احداث تغيير ديموغرافي بما يخدم سياستها.

 

هذا على الرغم ان احتلال المدينة وفقا للوثائق الرسمية الاسرائيلية و محاضر الجلسات التي سبقت الحرب ، تشير على ان احتلال المدينة لم يكن جزءا من مخططات هذه الحرب.  على ما يبدو انهيار الجيوش العربية و نشوة الانتصار هي التي دفعت الحكومة الاسرائيلية الاقدام على هذه الخطوة التي كانت تخشى من تداعياتها الدينية و الاقليمية و الدولية.


الحكومة الاسرائيلية عقدت سبعة جلسات ، ثلاثة منها تم تخصيصها لمناقشة الوضع في القدس، حيث بداية الحرب لم يكن هناك مخطط لاحتلال الجزء الشرقي من المدينة، خاصة البلدة القديمة، او على الاقل ، هكذا تظاهر الاسرائيليون، حيث في صبيحة يوم الخامس من حزيران بعث رئيس الوزراء الاسرائيلي برسالة الى الملك حسين من خلال ممثل الامم المتحدة المتواجد في القدس ابلغوه بأنهم ليسوا في حالة حرب مع الاردن، و اذا لم يتدخل لن تكون هناك مشكلة، و مع بداية الحرب ارسلت وحدة التوثيق في الجيش الى لواء القدس  مصور واحد فقط و عندما استفسر القائد العسكري الاسرائيلي عوزي نركيس عن ذلك ، قالوا له لن يحدث شيئ مهم لديكم.


في اليوم الاول للحرب، اي قبل احتلال المدينة بيوم واحد فقط، كان يقف موشي ديان، الذي كان وزيرا للحرب مع  عوزي نركيس الذي كان قائدا للمنطقة الوسطى، من على سطح مكتبة الجامعه العبرية و ينظران بأتجاه البلدة القديمة، نركيس قال لديان بأنه يتمنى لو اعطيت له الاوامر بأحتلال القدس،  على الفور رد عليه ديان قائلا : اياك ان تفكر بمثل هكذا تفكير  انا لا اريد هذا الفاتيكان!!!!.


الذي ضغط بشدة  لاحتلال المدينة كان مناحم بيغن الذي كان زعيما للمعارضة و الذي انضم الى حكومة الطوارئ الموسعة عشية الحرب. فور انضمامه طلب ان تكون القدس ضمن المخططات و خلال الحرب كان طوال الوقت يضغط بأتجاه إلتقاط الفرصة التاريخية بأحتلال الجزء الشرقي من المدينة. طلبه كان يرفض خاصة من قبل ليفي اشكول الذي كان رئيسا للوزراء و كذلك من موشي ديان. 
 

الانتصارات السهلة التي حققها الجيش الاسرائيلي و انهيار الجيوش العربية جعلت بيغن يتصل  بديان فجر السابع من حزيران ، و ذلك بعد ان سمع من اذاعة البي بي سي ان هناك جهودا دولية حثيثة لوقف اطلاق النار و طالب بأتخاذ قرار فوري بأحتلال المدينة، و على الفور اتصل برئيس الوزراء و افاقه من نومه و طلب منه عقد جلسة حكومية طارئة لاتخاذ قرار بأحتلال القدس.
 

اشكول و ديان وافقا و تم فعلا عقد الجلسة في الساعة الثامنه صباحا . لم ينتظر ديان قرار الحكومة و اصدر اوامره للجيش ببدأ الهجوم لاحتلال البلدة القديمة. ساعات معدودة و اصبحت القدس بما فيها  الحرم القدسي الشريف تحت الاحتلال الاسرائيلي.
 

الحكومة الاسرائيلية على الفور بدأت برسم سياسة ممنهجه لفرض سيطرتها على الارض و السكان و المقدسات استهلتها بهدم حارة المغاربة و توسيع باحة البراق و اعادة اعمار الحي اليهودي في البلدة القديمة.
 

في نفس الوقت تم تشكيل لجنة من الوزارات المختلفة بما في ذلك ممثليين عن الجيش الاسرائيلي، لوضع تصورات و تقديم مقترحات لكيفية التعامل مع الوضع الجديد من الناحية القانونية و السياسية و الامنية. الحكومة الاسرائيلية صادقت على هذه المقترحات ، التي كانت بمثابة الاستراتيجية الاسرائيلية للسنوات القادمة، و التي نفذتها كل الحكومات المتعاقبة. استراتيجية تهدف الى:
 

اولا: توسيع مساحة القدس من سبعة كيلو مترات الى سبعين كيلو متر، و كان الهدف من هذا القرار هو فصل القدس عن الضفة الغربية، خاصة في حال اجراء مفاوضات سياسية مستقبلية.
 

ثانيا: منح سكان القدس الفلسطينيين وضعا خاصا، حيث تعاملوا معهم كمقيميين و ليسوا كمواطنين، مما يحرمهم من حقوق المواطنة. الهدف من ذلك هو ان لا يصبحوا مواطنين كفلسطينيي الثمانية و اربعين و بالتي يؤدي الى زيادة عدد فلسطيني الداخل.
 

ثالثا: احاطة القدس بسلسلة من المستوطنات الهادفة الى عزلها عن شمال الضفة و جنوبها و ربطها بسلسلة من الطرق الجديدة لكي لا يصبح هناك فرق بين تل ابيب و القدس.
 

رابعا: سن قانون بأعتبار القدس عاصمة موحدة و ابدية لدولة اسرائيل و نقل كل الوزرات و مؤسسات الدولة للمدينة بأستثناء وزارة الدفاع و ذلك لاسباب امنية.
 

خامسا: سن الكثير من القوانين التي تهدف الى التضييق على السكان الفلسطينيين بهدف اجبارهم على الرحيل عن المدينة و في نفس الوقت سن الكثير من القوانين التي تشجع توطين اليهود في القدس.
 

على الرغم من كل هذه الاجراءات و بعد مرور ما يقارب النصف قرن من السياسية العنصرية الهادفة الى تهويد المدينة و تغيير معالمها ، و على الرغم من تحقيق الكثير من الاهداف التي اقرتها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، خاصة فيما يتعلق بالاستيطان و عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، الا ان الهدف الاستراتيجي من هذه السياسة و القاضي بتغيير جذري في معالمها الاسلامية و المسيحية و كذلك اجراء تغيير جذري في طبيعتها الديمغرافية، هذا الهدف لم يتم تحقيقة حتى الان.
 

على الرغم من كل الاجراءات العنصرية ، حتى هذه اللحظة لم تعترف اي دولة في العالم بشرعية الاحتلال الاسرائيلي للمدينة ، بما في ذلك  الولايات المتحدة، و كل القوانين الاسرائيلية و ما تم اتخاذه من اجراءات لم تغير من وضع القدس كمدينة محتلة .
 

و على الرغم من كل الخطوات الاسرائيلية في التضييق على المواطنين الفلسطينيين من اجل اجبارهم على الرحيل بقيت نسبة السكان كما هي و ذلك بفضل تمسك اهل القدس بمدينتهم. 
 

و على الرغم من كل الاجراءات الاسرائيلية بدمج القدس مع ما يحيط بها من احياء و مستوطنات يهودية بقيت القدس الشرقية ، و خاصة البلدة القديمة محافظة على طابعها الفلسطيني، و الغالبية العظمى من اليهود لم يدخلوها و لا يعتبرونها جزء من اسرائيل، وذلك وفقا للكثير من الاستطلاعات. فقط من يهتم بالقدس الشرقية هم اليهود المتطرفين و غلاة المستوطنيين الذين يمارسون كل اشكال النصب و الاحتيال بدعم من المؤسسسات اليمينية اليهودية للاستيلاء على المزيد من الممتلكات العربية.
 

خلاصة القول، ان اسرائيل و بعد ما يقارب النصف قرن من اجراءات التهويد، و طمس المعالم و تغيير الحقائق، و على الرغم من تحقيق بعض الانجازات هنا و هناك، الا ان مدينة القدس ما زالت مدينة عربية محتلة وفقا للقانون الدولي و المجتمع الدولي و ان ما تقوله اسرائيل عن توحيد المدينة هو حديث بلا معنى و دون رصيد عملي.


إستطلاع رأي :

هل تتوقع نجاح لقاءات المصالحة في قطر

تاريخ انتهاء الاستفتاء : 29/02/2016